يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
289
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فأربعة وعشرون عضلة منها لتحريك حدقة العين وأجفانها ، لو نقصت واحدة منها اختل أمر العين ، وهكذا لكل عضو عضلات بعدد مخصوصة ، وشرح هذا يطول . ثم انظر لما أودع اللّه هذه الأعضاء من المنافع ، كيف فتح العينين ورتب طبقاتهما وأحسن شكلهما وهيآتهما ، ثم حماهما بالأجفان لتسترهما وتحفظهما وتصقلهما وترفع الأقذاء عنهما ، ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السماوات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها . وكيف شق الأذنين وأودعهما ماء مرّا يحفظ سمعهما ويدفع الهوام عنهما ، وحوّطهما بصدفة الأذن لتجمع الأصوات فتؤديها إلى صماخيهما ، ولتحس بدبيب الهوام إليهما ، وجعل فيهما تجويفات واعوجاجات ليحس بحركة ما يدب فيهما ، ويطول طريقه فينتبه من النوم صاحبها إذا قصدتها الدابة في نومه . ثم رفع الأنف عن وسط الوجه ، وأحسن شكله ، وفتح منخريه وأودع فيهما حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته ، وليستنشق بمنفذ المنخرين رياح الهواء عند الغلبة وترويحا لحرارة باطنه ، وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقا مترجما عما في القلب ، وزيّن الفم بالأسنان ولتكون آلة للطحن والكسر والقطع ، فأحكم أصولها وحدد رؤوسها وبيّض لونها ورتّب صفوفها متساوية الرؤوس متناسبة الترتيب ، كأنها الدر المنظوم . وخلق الشفتين وحسّن لونهما وشكلهما لتنطبق على الفم فتسد منفذه ، وليتم بها حروف الكلام . ثم خلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت . وخلق اللسان وقدّره للحركات والتقطيعات ليقطع الصوت في مخارج مختلفة الأشكال ، تختلف بها الحروف ليتسع طريق النطق بكثرتها . ثم خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر ، حتى اختلفت بسببها الأصوات . فلا يتشابه صوتان بل يظهر بين كل صوتين فرق حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة . ثم زيّن الرأس بالشعر والأصداغ ، وزيّن الوجه باللحية والعارضين ، وزيّن الحاجب برقة الشعر واستقواس الشكل ، وزيّن العينين بالأهداب . ثم خلق الأعضاء الباطنة ، وسخّر كل واحد لعمل مخصوص فسخّر المعدة لكذا وكذا ، على ما تقدّم ذكره ويأتي بعد . ثم انظر إلى اليدين كيف جعل في كل كف خمسة أصابع ، وقسم كل أصبع ثلاثة أنامل ، ووضع الأربعة في جانب والإبهام في جانب ، ليدير الإبهام على الجميع فيصلح بها القبض والإعطاء . ثم خلق الأظفار على رؤوسها زينة للأنامل وعمادا لها حتى لا تتقطع وليلتقط بها الأشياء الرقيقة التي لا تتناولها الأنامل ، وليحك بها بدنه عند الحاجة . فلو عدمها الإنسان لكان أضعف الخلق وأعجزهم عن الحك الذي هو أقل الآلام . ثم هدى اللّه إلى موضع الحك حتى يمدها